ابن عجيبة
78
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي : تمردوا في الكفر والطغيان . قيل : هم النضر ابن الحارث ، وعبد اللّه بن أمية ، ونوفل بن خويلد ، ومن ضاهاهم . وقيل : النضر فقط ، والجمع ؛ لمشايعة الباقين له في ذلك . قالوا : إِنْ هَذا ؛ ما هذا القرآن إِلَّا إِفْكٌ ؛ كذب مصروف عن وجهه افْتَراهُ ؛ اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه ، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ أي : على اختلاقه قَوْمٌ آخَرُونَ ، يعنون : اليهود ، بأن يلقوا إليه أخبار الأمم الدارسة ، وهو يعبر عنها بعبارته . وقيل : هم عدّاس ، ويسار « 1 » ، وأبو فكيهة الرومي ، كان لهم علم بالتوراة والإنجيل . ويحتمل : وأعانه على إظهاره وإشاعته قوم آخرون ، ممن أسلم معه صلى اللّه عليه وسلم . قال تعالى : فَقَدْ جاؤُ ، وأتوا ظُلْماً أو : بظلم ، فقد تستعمل ( جاء ) بمعنى فعل ، فتتعدى تعديته ، أو بحرف الجر ، والتنوين للتفخيم ، أي : جاءوا ظلما هائلا عظيما ؛ حيث جعلوا الحق البيّن ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، إفكا مفترى من قول البشر ، وجعلوا العربي الفصيح يتلقى من العجمي الرومي ، وهو من جهة نظمه الفائق وطرازه الرائق ؛ لو اجتمعت الإنس والجن على مباراته لعجزوا عن مثل آية من آياته . ومن جهة اشتماله على الحكم العجيبة ، المستتبعة للسعادات الدينية والدنيوية ، والأمور الغيبية ، بحيث لا يناله عقول البشر ، ولا تفي بفهمه الفهوم ، ولو استعملوا غاية القوى والقدر . وَ أتوا أيضا زُوراً أي : كذبا كثيرا ، لا يبلغ غايته ؛ حيث نسبوا إليه صلى اللّه عليه وسلم ما هو برئ منه . وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أي : هو أحاديث المتقدمين ، وما سطروه من خرافاتهم ؛ كرستم وغيره . جمع أسطار ، أو : أسطورة ، اكْتَتَبَها ؛ كتبها لنفسه ، أو : استكتبتها فكتبت له ، فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ أي : تلقى عليه من كتابه بُكْرَةً : أول النهار وَأَصِيلًا ؛ آخره ، فيحفظ ما يتلى عليه ثم يتلوه علينا . انظر هذه الجرأة العظيمة ، قاتلهم اللّه ، أنى يؤفكون ؟
--> ( 1 ) في الأصول : سيار .